النصّ الکامل لکلمة الإمام الخامنئی فی لقاء مع مختلف فئات الشعب بشأن التطورات فی المنطقة

ینشر موقع KHAMENEI.IR الإعلامی النصّ الکامل لکلمة الإمام الخامنئی بتاریخ 11/12/2024 خلال لقاء مع مختلف فئات الشعب بشأن التطورات فی المنطقة فی حسینیّة الإمام الخمینی (قده). وخلال اللقاء أکّد سماحته أنّ نطاق المقاومة سیتّسع لیشمل کامل منطقة غربی آسیا بشکل أکبر ممّا سبق، وقال أنّ ما حدث فی سوریا نتاج مخطّط أمریکی وصهیونی، وأنّ جبهة المقاومة ستطرد أمریکا من المنطقة وستجتثّ جذور الصهیونیّة. کما تطرّق قائد الثورة الإسلامیّة إلى تبیین الإمام الخامنئی أسباب حضور إیران فی سوریا والعراق فی زمن «داعش».
بسم الله الرحمن الرحیم،
والحمد للّه ربّ العالمین، والصلاة والسلام على سیّدنا ونبیّنا أبی القاسم المصطفى محمّدٍ، وعلى آله الأطیبین الأطهرین المنتجبین، [ولا] سیّما بقیّة الله فی الأرضین.
أرحّب بالإخوة والأخوات الأعزاء جمیعهم الذین ملأوا الیوم أجواء هذه الحسینیة بمشاعرهم التوحیدیة المخلصة والمفعمة بالمحبة، وخاصة الإخوة والأخوات الذین جاؤوا من بعض المدن الأخرى.[1]
تجری الیوم أحداث مهمة فی منطقتنا التی تُعد واحدة من أکثر المناطق حساسیة فی العالم، یجب فهم هذه الأحداث على نحو صحیح، وکذلک یجب أن نأخذ منها دروساً وعبراً. الرأی العام فی البلاد مشغول بهذه المسائل أیضاً؛ یطرح أسئلة، ولدیه آراء وتعلیقات؛ لذا من الضروری أن تُعالَج الإبهامات. لا أهدفُ إلى تحلیل قضایا سوریا الیوم - فهناک مَن یحللون - ولکن هدفی الیوم هو «التبیین والترسیم». أقصد من «التبیین» أن نشرح ما حدث وما قد یُحاوَل إخفاؤه عن الأعین بالقدر الذی نستطیع أن نراه ونفهمه. أما «الترسیم»، فیعنی أن أرسّم وأشرح أثناء حدیثی الیوم معالم وضعنا وحرکتنا وحرکة المنطقة ومستقبلها وفقاً لفهمنا. هذه هی المحصّلة والخلاصة لما سأعرضه الیوم، إن شاء الله.
بدایةً، لا شکّ فی أنّ ما حدث فی سوریا هو نتاج خطّة أمریکیّة وصهیونیّة مشترکة. نعم، هناک دورٌ واضحٌ لإحدى الدول الجارة لسوریة وهی لعبَته وتلعبه الآن أیضاً، وهذا ما یراه الجمیع، ولکنّ أولئک هم السبب الأساسی. المتآمر الرئیسی والمخطّط الأساسی وغرفة التحکّم الأساسیّة موجودة فی أمریکا والکیان الصهیونی. لدینا قرائن على ذلک، وهذه القرائن لا تُبقی للمرء أیّ مجال للشکّ والتردّد. کانت إحدى القرائن على ذلک هی سلوکهم تجاه هذه الحادثة. حدثت فی دولة ما حرب - حتى وإن لم تکن متفقاً مع حکومة تلک الدولة -، وتناحرت مجموعتان؛ وهذه الأحداث تحدث فی کل مکان، لکن لماذا تتدخلون؟ وفقاً للأخبار التی وصلت، استهدف الکیان الصهیونی أکثر من ثلاثمئة نقطة فی سوریا! لماذا؟ إنْ لم تکن لکم علاقة بهذه الحادثة، وإنْ لم یکن المخطط لهذه الحادثة مرتبطاً بکم، إذاً فاجلسوا وتفرّجوا [فقط]. تتقاتل مجموعتان مع بعضهما بعضاً؛ فما هو سبب تدخّلکم فی الحرب وقصف أکثر من ثلاثمئة نقطة؟ الأمریکیون أنفسهم أعلنوا - طبعاً حتى یوم أمس، وربما قد تکون الأعداد قد ارتفعت بعد ذلک - أنهم هم أیضاً قصفوا 75 نقطة! بعض هذه النقاط التی قصفوها هی منشآت بنى تحیة فی سوریا؛ أماکن لا یمکن بناؤها بسهولة وتستنزف جهداً کبیراً من أیّ دولة. أن تبنی المطارات والمراکز البحثیة وتربّی العلماء، فهذه لیست أعمالاً سهلة. لماذا دخل الکیان الصهیونی وأمریکا فی هذه القضیة وأصبحوا طرفاً فی الحرب وبدؤوا فی قصف البلاد؟ قصف ثلاثمئة أو أربعمئة نقطة لیس أمراً بسیطاً!
بالإضافة إلى ذلک، احتل الکیان الصهیونی أراضیَ سوریة؛ وصلت دباباته إلى مشارف دمشق. منطقة الجولان، التی کانت لدمشق، کانت تحت سیطرتهم لسنوات، والآن بدؤوا فی احتلال مناطق أخرى أیضاً. أمریکا وأوروبا والدول التی تُبدی حساسیة تجاه هذه الأمور فی دول أخرى، تکون حساسة حتى لمتر واحد أو مترین، لم تکتفِ بالصمت ولا الاعتراض، بل تعاونت أیضاً. هذه الفِعلة فِعلتهم. بالإضافة إلى ذلک، القرینة الأخرى هی أنه فی الأیام الأخیرة کان من المفترض أن تُرسَل بعض المساعدات إلى الشعب السوری أو إلى أهالی منطقة معینة فی سوریا، مثلاً کانت المنطقة المحیطة بالسیدة زینب (ع) بحاجة إلى الإمکانات والأفراد والقوات، وکان من المفترض أن تُرسَل من هنا، ولکن الطائرات الصهیونیة والأمریکیة أغلقت المسار بالکامل. انتشرت طائرات "إف-15" فی السماء، ومنعت أی طائرة من المرور. طبعاً، أبدى أحد طیّاری طائراتنا شجاعةً ومخاطرةً، وذهب لیهبط، ولکن کان من الضروری أن تُتخذ إجراءات أکثر، وکان لا بدّ أن یُبذلَ أکثر من ذلک؛ ولکنّهم صدّوه. إذا لم تکونوا أصحاب القضیة فی هذا الأمر، وإذا لم تکونوا أنتم مَن تحاربون سوریا باسم إحدى الجماعات الإرهابیة أو المسلّحة مثلاً، وإذا لم تکونوا مَن یقف خلفهم، فلماذا تؤدون هذه الأفعال کلها؟ لماذا تتدخلون؟ لماذا تقدّمون العون؟ لماذا تمنعون المساعدة عن الشعب السوری؟
من المؤکد أنّ هؤلاء المهاجمین الذین قلت إنّ لدى کلٍّ منهم غایته، وتختلف أهدافهم بعضها عن بعض، یسعون إلى احتلال الأراضی من شمالی سوریا أو جنوبها، وتسعى أمریکا إلى تثبیت موطئ قدمها فی المنطقة؛ هذه هی أهدافهم، وسیَثبُتُ، مع مرور الوقت، أنّهم لن یحقّقوا أیّاً من هذه الأهداف، إن شاء الله. سوف تتحرّر المناطق المحتلّة من سوریا على أیدی الشباب السوریّین الغیارى؛ لا تشکّوا فی أنّ هذا الأمر سیحدث. لن یثبت لأمریکا موطئ قدم أیضاً، وبتوفیقٍ من الله وحولٍ منه وقوّة، ستطرد جبهة المقاومة أمریکا من المنطقة. لقد ذکرت جبهة المقاومة، وأود أن أتحدث ببضع نقاط عن جبهة المقاومة. عناصر الاستکبار فرحون بعد هذه الأحداث فی سوریا، وهم یُعبّرون عن فرحهم ظنّاً منهم أنّ جبهة المقاومة باتت ضعیفة مع سقوط الحکومة السوریّة التی کانت تؤیّد المقاومة. یُبدون فرحهم ویقولون إنّ جبهة المقاومة ضَعُفَت. هؤلاء واقعون فی خطأ فادح. أولئک الذین یظنّون أنّ جبهة المقاومة ضَعُفَت بسبب هذه الأمور، لا یملکون فهماً صحیحاً للمقاومة وجبهة المقاومة، ولا یعرفون أساساً ما تعنیه جبهة المقاومة. جبهة المقاومة لیست مجرّد عتاد مادّی لتنکسر أو تنهار أو تزول. المقاومة إیمان، وفکر، وقرارٌ قلبی وحاسم. المقاومة مدرسةٌ، وهی مدرسةٌ عقدیّة. إنّها ما یؤمن به عددٌ من الناس، ولیست اتفاقاً عارضاً، ولا یقتصر الأمر على عدم ضعفها بممارسة الضغوط، بل ستغدو أکثر قوّة. أفراد جبهة المقاومة وعناصرها، تتعزّز دوافعهم مع رؤیتهم الخبائث، وإنّ رقعة جبهة المقاومة تزداد اتّساعاً.
هی تزداد صلابة بقدر فرضکم الضغوط، وتتعزّز دوافعها بقدر ارتکابکم الجرائم، وتتّسع أکثر بقدر قتالکم ضدّها، وأقولها لکم: سوف یشمل نطاق المقاومة المنطقة بأسرها، أکثر من السّابق، بحول الله وقوّته. هکذا هی المقاومة. عندما یرون جرائم العدو الوحشیة، فإنّ أولئک الذین کانوا فی شکٍّ بشأن ضرورة المقاومة من عدمها، یخرجون من الشکّ، ویدرکون أنه لا سبیل للإنسان لمواصلة طریقه سوى أن یتصدّى للمستبدّ والظالم والمتغطرس؛ لا بدّ أن یصمد، ویقاوم. هذا معنى المقاومة.
انظروا إلى «حزب الله» فی لبنان، انظروا إلى «حماس»، انظروا إلى «الجهاد»[2]، انظروا إلى القوى الفلسطینیة المناضلة؛ لقد تعرّضوا لذاک الکم من الضغوط. هل کانت المصیبة التی حلّت بـ«حزب الله» مزحة؟ هل کان فقد «حزب الله» لشخص مثل السید حسن نصر الله أمراً هیّناً؟ لکن بعد ذلک ازدادت هجمات «حزب الله» وقوته وقبضته المُحکمة عن ذی قبل؛ وهذا ما فهمه العدو واعترف به. ظنّوا أنهم الآن بعد أن وجهوا ضربة، یمکنهم دخول أراضی لبنان ودفع «حزب الله» إلى الوراء، مثلاً إلى نهر اللیطانی، ثم التقدم للأمام؛ ولکنهم لم یتمکنوا من ذلک. وقف «حزب الله» بکل قوة؛ فعل ما جعلهم هم أنفسهم یأتون ویطالبون بوقف إطلاق النار! هذه هی المقاومة.
انظروا إلى غزة! ها قد مرّ عام وبضعة أشهر وهم مستمرون بقصف غزة وقتلوا الشخصیات البارزة فیها، مثل یحیى السنوار، وأوقعوا هذه الضربات؛ ومع ذلک، بقی الناس صامدین. کانوا یظنون أنهم سیضعون الشعب تحت الضغط لیقفوا ضد «حماس» ویثوروا علیها؛ لکن حدث العکس؛ أصبح الناس أکثر تأییداً لـ«حماس». و«الجهاد» کذلک، وبقیة الفصائل الفلسطینیة أیضاً على المنوال نفسه. هذه هی المقاومة، وهذه هی جبهة المقاومة: تزداد صلابة بقدر فرضکم الضغوط، وتتعزّز دوافعها بقدر ارتکابکم الجرائم، وتتّسع أکثر بقدر قتالکم ضدّها، وأقولها لکم: سوف یشمل نطاق المقاومة المنطقة بأسرها، أکثر من السّابق، بحول الله وقوّته. ذلک المُحلّل الجاهل وغیر العارف بمعنى المقاومة یظنّ أنّ المقاومة ضَعُفَت، وأنّ إیران الإسلامیّة ستَضعُف أیضاً، وأنا أقول لکم إنّ إیران القویّة مقتدرة وستغدو مقتدرة أکثر، بحول الله وقوّته، وبإذن الله تعالى.
أود أن أذکر نقطة أخرى عن المقاومة. أولاً، فلنشرح ما معنى المقاومة أساساً. المقاومة تعنی الوقوف فی وجه هیمنة أمریکا وأیّ قوة مهیمنة أخرى؛ هذا هو معنى المقاومة. المقاومة تعنی النضال ضد التبعیة لهذه القوى [المستکبرة]؛ المقاومة تعنی ألّا تصیر الشعوب عبیداً لقوى متسلطة کأمریکا وأمثالها؛ هذا هو معنى المقاومة. هذا المعنى من المقاومة متجذر فی عقیدة شعوب المنطقة. لا أتحدّث عن الحکومات؛ بل الشعوب هی التی تُولی اهتماماً بالمقاومة؛ المقاومة متجذرة فی إیمان الشعوب وعقیدتها. هل رأیتم ماذا فعلت شعوب المنطقة من أجل [نصرة] غزة؟ أولئک الذین لا یتحدثون لغتهم، ولا زاروا منطقتهم، ولا یعرفونهم شخصیاً، وقفوا فی أنحاء هذه المنطقة کلها - بل فی معظم أنحاء العالم - ضد الکیان الصهیونی وأیّدوا أهالی غزة. هذه هی العقیدة المشترکة بین شعوب المنطقة، وهذا هو السبب الحقیقی أیضاً.
التفتوا، الآن وقد مرّ حوالى 75 عاماً على غصب فلسطین؛ عادةً، الحادثة التی حدثت منذ 75 عاماً کان من المفترض أن تَخفُت تدریجیاً، وأن تُنسى من أذهان الأفراد وتخمد شعلتها. لکن الیوم، وقوف شعوب المنطقة والفلسطینیین أنفسهم من أجل قضیة فلسطین، ربما أصبح أکبر عشر مرات مما کان علیه فی بدایة الأمر؛ إنه یشتدّ بدلاً من أن یخفُت. هذه هی خصوصیة العقیدة المشترکة والعامة، وهذا سیستمر بالتأکید.
التماشی مع الکیان الصهیونی هو خط أحمر بالنسبة إلى الشعوب، ولا شأن لی بالحکومات؛ فهی تقول شیئاً آخر. إذا سألتم الشعوب، سترون أنها معارضة؛ الغالبیة الساحقة من الشعوب تعارضها. طبعاً، الکیان الصهیونی یرتکب الجرائم، لکن الجرائم لا تجلب النصر لأحد؛ لا جرائم الکیان الصهیونی فی لبنان، ولا جرائمه فی غزة، ولا فی الضفة الغربیة حیث تناضله الفصائل الفلسطینیة. تُرتکب هناک جرائم کثیرة، ولکن الجرائم لا تحقق النصر لأحد. هذه سنّة إلهیة، والیوم نرى هذه التجربة التاریخیة تحدث أمام أعیننا فی غزة ولبنان.
حسناً، یُطرح هنا سؤال: هل کنّا موجودین فی سوریا أثناء هذه الأعوام، مع هذا الوصف الذی قدّمناه عن القضایا السوریّة؟ أم لا؟ بطبیعة الحال، یعلم الجمیع أن الإجابة هی نعم. شهداء الدفاع عن العتبات دلیلٌ واضحٌ على أنّنا کنّا حاضرین. لکن کیف؟ هذا یحتاج إلى توضیح. النقطة المهمّة هی أنّ الجمیع یعرفون بوجودنا، والجمیع شیّعوا الشهداء، لکن هناک نقاط عدّة لا یعرفها غالبیة النّاس، أو لا یعرفها کثیرون من شبابنا على الأقل. نحن قدّمنا المساعدة للحکومة السوریّة، ولکن قبل أن نقدّم الدّعم للحکومة السوریّة، قدّمت لنا الحکومة السوریّة مساعدة مصیریّة فی مرحلة حسّاسة. هذا ما لا یعرفه غالبیة النّاس. أثناء مدة الحرب، وفی خضمّ مرحلة «الدفاع المقدّس»، عندما کان الجمیع یعملون لمصلحة صدّام وضدّنا، أقدمت الحکومة السوریّة على خطوة عظیمة وحاسمة لمصلحتنا وضدّ صدّام، وکانت أنّها قطعت خطّ الأنابیب الذی کان ینقل النّفط من هناک إلى البحر الأبیض المتوسّط وأوروبا، وکان عائد النفط یدخل إلى جیب صدّام. أحدث ذلک ضجّة کبیرة فی العالم. لقد منعت تدفّق النّفط الذی کان مخصّصاً لصدّام.
کم کانت کمیّة النفط التی تمرّ من هناک؟ ملیون برمیل یومیّاً. کان یُنقل ملیون برمیل نفط یومیّاً عبر هذا الخطّ إلى البحر الأبیض المتوسّط. حتّى إنّ الحکومة السوریّة نفسها کانت تستفید مادیّاً من عبور النفط عبر هذا المسار، وکما هو مصطلح، کانت تربح من «ترانزیت» هذا النفط، وتجنی الأموال مقابل ذلک، وهی غضّت النظر عن ذاک المال. طبعاً، حصلت على مقابل ذلک منّا، أی إنّ الجمهوریّة الإسلامیّة لم تترک هذه الخدمة من دون مقابل. إذاً، هم ساعدونا أوّلاً. هذا أوّلاً.
لکن فی قضیّة فتنة «داعش». «داعش» یعنی قنبلة زعزعة الأمن. «داعش» کان یعنی زعزعة أمن العراق، وسوریا، والمنطقة، ثمّ الوصول إلى النقطة الرئیسیّة والهدف النهائی، أی جمهوریّة إیران الإسلامیّة، فیُزعزع أمن جمهوریّة إیران الإسلامیّة. کان هذا الهدف الرئیسی والنهائی؛ هذا معنى «داعش». لقد حضرنا، وحضرت قوّاتنا أیضاً فی العراق، وفی سوریا أیضاً، لسببین: السّبب الأوّل کان صون حرمة العتبات المقدّسة. لأنّ أولئک المنسلخین عن الأمور الروحانیّة والبعیدین عن الدین والإیمان کانوا یعادون العتبات المقدّسة، وکانت غایتهم التدمیر، وقد دمّروا فعلاً، ولاحظتم فی سامرّاء أنّهم أزالوا بمساعدة الأمریکیّین القبّة المطهّرة فی سامرّاء، ودمّروها، ثمّ أرادوا لاحقاً تکرار هذا الأمر فی النجف، وکربلاء، والکاظمیة، ودمشق. کان هذا هدف «داعش». حسناً، من الواضح أنّ ذاک الشاب المؤمن الغیور والمحبّ لأهل البیت (ع) لا یرضخ أبداً لمثل هذا الأمر، ولن یسمح به. هذا السبب الأوّل. السّبب الآخر کان قضیّة الأمن. لقد أدرک المسؤولون سریعاً وفی الوقت المناسب، أنّه إذا لم یجرِ التصدّی لزعزعة الأمن فی هذه الأماکن، فإنّها ستسری إلى هنا وتزعزع الأمن فی أرجاء بلدنا الکبیر. لم تکن زعزعة الأمن الناتجة من فتنة «داعش» أمراً عادیّاً، وأنتم تتذکّرون النماذج جمیعها التی حدثت؛ [إن کان] فی حادثة «شاهتشراغ»[3] أو حادثة «کرمان»[4] أو حادثة «مجلس الشورى»[5] وأمثالها، وحیثما استطاعوا ارتکبوا مثل هذه الکوارث. کان مقرّراً أن یأتی [داعش] هذا إلى هنا. قال أمیر المؤمنین (ع): «مَا غُزِیَ قَوْمٌ قَطُّ فِی عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا»[6]؛ لا تدَعوهم یصلوا إلى دیارکم. لذلک، انطلقت قواتنا، وذهب أبرز قادتنا؛ ذهب شهیدنا العزیز سلیمانی ورفاقه وزملاؤه، ونظّموا الشباب فی العراق، وسوریا أیضاً، بدایةً فی العراق ثمّ فی سوریا، وسلّحوا شبابهم، فتصدّوا لداعش، وقصموا ظهره واستطاعوا التغلّب علیه. حسناً، کان حضورنا فی تلک القضیّة على هذا النّحو.
التفتوا إلى هذه القضیّة: کان هذا شکل حضورنا العسکری فی سوریا، وفی العراق کذلک. لم یکن بمعنى أن نأخذ جیوشنا – جیشنا وحرسنا الثوری - إلى هناک لتحلّ محلّ جیش ذاک البلد. أن یقاتل جیشنا. لا، لا معنى لهذا الأمر. هذا لیس منطقیّاً، ولا یقبله الرأی العام [أیضاً]، بأن ینهض جیشٌ من هنا ویُقاتل بدل جیشهم. لا، القتال بعُهدة جیش ذاک البلد نفسه. کان العمل الذی یمکن أن تؤدّیه قواتنا، وأدّته، هو العمل الاستشاری. ما المقصود بالاستشاری؟ یعنی تأسیس المقرّات المهمّة المرکزیّة والرئیسیّة، وتحدید الإستراتیجیّات والتکتیکات، وخوض میدان القتال فی الحالات الضروریّة. لکن الأهمّ من ذلک کلّه کان تعبئة شباب تلک المنطقة نفسها، وطبعاً، ذهب کثیرون من شبابنا، ومن التعبویّین لدینا، بلهفة وشوقٍ وإصرار.
لم نکن نوافق أیضاً. کانوا یطلبون منّی – أنا العبد – مرّات عدة، ویسألون، ویکتبون، ویبعثون الرسائل، ویتوسّلون أن اسمحوا لنا بالذهاب إلى سوریا لنتصدّى للعدو. طبعاً، لم یکن ذلک مناسباً، أی لم تکن حینها تُرتأى مصلحةٌ فی ذلک، ولکنّهم کانوا یذهبون. کانوا یذهبون عبر الطرق المتعدّدة – وأنتم مطّلعون علیها؛ بعض قصصهم معروفة – واستُشهد بعضهم، وعاد آخرون أیضاً سالمین، بحمد الله. کان أساس العمل هو العمل الاستشاری. کان حضورنا فی تلک الأماکن حضوراً استشاریّاً. فی بعض الحالات النادرة کان حضور قواتنا ضروریّاً، وکانت غالبیّة قواتنا أیضاً من القوّات المتطوّعة والتعبویّة، إلى جانب القوّات المتواجدة هناک. درّب الشهید سلیمانی فی سوریا مجموعة مکوّنة من عدّة آلاف من الأشخاص، ومن شبابهم أنفسهم، وسلّحهم، ونظّمهم، وأعدّهم، فصمدوا. طبعاً، لاحقاً تسبّب البعض منهم أنفسهم، المسؤولون العسکریّون نفسهم فی ذاک البلد، فی المشکلات والمعوّقات، وغضّوا الطرف – للأسف – عمّا کان یصبّ فی مصلحتهم.
بعد أن خمدت فتنة «داعش»، عاد جزءٌ من القوّات، بینما بقیَ جزءٌ آخر هناک. بقیَ جزءٌ من تلک القوات التی ذهبت إلى هناک، وکانوا حاضرین فی خضمّ هذه الأحداث أیضاً، لکن کما أسلفتُ القول، ینبغی للجیش أن یخوض الحرب الرئیسیّة. قوّات التعبئة التی جاءت من مکانٍ آخر تکون قادرةً على القتال إلى جانب جیش ذاک البلد؛ فإذا أبدى جیش ذاک البلد ضعفاً، لا یکون فی مقدور هذا التعبویّ فعل أیّ شیء، وهذا ما حدث للأسف. عندما تتراجع روح الصمود والمقاومة، هکذا تکون النتیجة. هذه المصائب التی تنزل على سوریا الیوم – یعلم الله حتّى متى ستستمرّ، ومتى سیهبّ شباب سوریا، إن شاء الله، إلى المیدان لیوقفوها – هی نتیجة مکامن الضعف هذه التی برزت هناک.
شعب إیران یتباهى بجیشه وحرسه الثوری، ویفخر بهم. ففی قضیّة لبنان، وقضیّة «حزب الله»، وجّه کبار المسؤولین فی القوّات المسلّحة والمنظّمات المسلّحة، الرّسائل إلیّ بأنّنا لا نطیق التحمّل، اسمحوا لنا بالذهاب. قارنوا هذا مع ذاک الجیش الذی لا یطیق التحمّل، ویلوذ بالفرار! هکذا کان جیشنا فی عهد نظام الطاغوت، للأسف. فهم لم یصمدوا ولم یتصدّوا لهجوم الأعداء والأجانب فی شتّى الحروب، ومنهم الحرب العالمیّة الثانیة. فی ذاک الیوم، تقدّم العدوّ وسیطر على طهران نفسها. لم یصمدوا. عندما لا یصمدون، تکون النتیجة على هذا النّحو. ینبغی المقاومة والاستفادة من القوّة التی وهبها الله.
نحن کنّا مستعدّین فی هذه الظروف القاسیة أیضاً، وقد جاؤوا إلیّ کذلک، وقالوا: إنّنا أعددنا الإمکانات الضروریّة کلّها للسوریّین، ونحن مستعدّون للذهاب. کان المجال الجوی محظوراً، والطرق البریة مقطوعة، إذْ أغلق الکیان الصهیونی وأمریکا أیضاً سماء سوریا، وسدّوا المنافذ البریّة؛ لم تکن هناک إمکانیّة؛ هکذا کانت الأمور. لو أنّ الدوافع فی ذاک البلد بقیت على ما کانت علیه، واستطاعوا أن تکون لهم کلمتهم فی مقابل العدو، لما استطاع العدوّ أن یحظر سماءهم، ویسدّ منافذهم البریّة أیضاً. کان من الممکن تقدیم العون لهم. حسناً، کانت هذه صورة إجمالیّة.
هناک نقاط عدّة أخرى یجب أن أذکرها. النقطة الأولى هی أن الجمیع یجب أن یعلموا أنّ الأمور لن تبقى على هذا النّحو؛ أن تأتی مجموعة إلى دمشق أو أماکن أخرى، یفرحون، ویرقصون، ویعتدون على بیوت الناس، ویقصف الکیان الصهیونی أیضاً، ویُحضر الدبابات والمدافع؛ لن تبقى الأمور على هذه الحال. سوف ینهض الشباب السوریّون الغیارى حتماً، وسیصمدون، ویضحّون، ویتکبّدون الخسائر أیضاً، ولکنّهم سیتغلّبون على هذا الوضع. کما أنّ شباب العراق الغیارى فعلوا ذلک. لقد استطاع شباب العراق الغیارى، بفضل مساعدة شهیدنا العزیز [الحاج قاسم سلیمانی] وتوجیهاته وقیادته وتنظیمه، دحر العدوّ من الأزقّة والشوارع، وطرده من بیوتهم. وإلّا، فإنّ الأمریکیّین کانوا یقدمون على هذه الممارسات أیضاً فی العراق؛ کانوا یکسرون أبواب البیوت، ویطرحون الرّجل صاحب المنزل أرضاً أمام زوجته وأطفاله، ویدوسون وجهه على الأرض ویضغطون علیه بجزماتهم! هذا حدث فی العراق أیضاً، لکنّهم صمدوا، وقاموا، وبذل شهیدنا العزیز أیضاً إمکاناته کلّها فی هذا السّبیل. هؤلاء سیفعلون الشیء نفسه أیضاً. طبعاً، قد یستغرق الأمر وقتاً، وقد یطول أیضاً، لکنّ النتیجة مؤکّدة وحتمیّة.
الموضوع الثانی هو أنّ حادثة سوریا تحمل لنا – لکلّ فردٍ منّا ولمسؤولینا – الدروس والعِبَر أیضاً. یجب أن نستلهم الدروس. أحد الدروس هو قضیّة «الغفلة» هذه؛ الغفلة عن العدو. نعم، لقد تحرّک العدوّ بسرعة فی هذه الحادثة، لکن کان ینبغی لهؤلاء أن یعرفوا قبل الحادثة أنّ هذا العدوّ سیتحرّک، وسینفّذ تحرّکه بسرعة. نحن کنّا قد قدّمنا العون لهؤلاء، وجهازنا الاستخباراتی کان قد نقل قبل أشهر، تقاریر تحذیریّة إلى المسؤولین فی سوریا.
طبعاً، أنا لا أعرف إن کانت هذه [التقاریر] وصلت إلى أیدی کبار المسؤولین هناک، أم لا، ضاعت فی الوسط، لکن مسؤولینا الاستخباراتیّین أخبروهم. منذ متى؟ منذ آب، وأیلول، وتشرین الأوّل. قدّموا التقاریر على نحو متتال. یجب اجتناب الغفلة عن العدوّ، وینبغی عدم استصغار العدوّ، وکذلک عدم الوثوق بتبسّم العدوّ. أحیاناً یتحدّث العدوّ مع الإنسان بلحنٍ حسن، وبابتسامة، ولکنّه یحمل الخنجر وراء ظهره، ویتربّص الفرصة المناسبة.
نقطة أخرى هی أنّ جبهة المقاومة یجب ألّا تغترّ بالانتصارات، وألّا تیأس من الهزائم. النّصر والهزیمة موجودان دائماً، وهکذا هی الحیاة الشخصیّة للبشر أیضاً: فیها النجاح، وفیها الفشل. وهکذا هی حیاة الجماعات کذلک: فیها النجاح، وفیها الفشل. یوماً ما تکون جهةٌ فی السلطة، وفی یومٍ آخر تُعزل عنها. هکذا هو حال الحکومات والدول أیضاً. هناک صعودٌ وهبوطٌ فی الحیاة، ولیس فی مقدور الإنسان أن یتجنّب الهبوط والسقوط. ما یعدّ ضروریّاً هو ألّا نغترّ حین نکون فی القمّة، لأنّ الغرور یجلب الجهل، والغرور نفسه یجعل الإنسان غافلاً. عندما نهبط، أو نواجه فشلاً فی مکانٍ ما، یجب ألّا نکتئب وتنکسر قلوبنا ویصیبنا الیأس.
الجمهوریّة الإسلامیّة، وعلى مدى هذه الأعوام الأربعین ونیّف، واجهت أحداثاً کُبرى وقاسیة. أحداثاً کُبرى! لم یشهد الشباب ذلک الیوم. فی طهران هذه نفسها، کان أهالی طهران جالسین فی بیوتهم، وکانت مقاتلة میغ 25 التی صنّعها الاتحاد السوفیتی والتابعة لصدّام تأتی إلى هنا وتحلّق فوق رؤوسنا، ولو تصرّفت برقیّ، لم تکن تقصفنا. لکنّها کانت تُرهب، کانت تبثّ الرّعب! ولم یکن فی مقدورنا أیضاً فعل أیّ شیء، فلم نکن نملک الدفاع الجوّی، ولا الإمکانات. لقد واجهنا هذه الأمور. ذات یومٍ کان الجمیع جالسین فی مدینة طهران هذه، فی بیوتهم، وفجأة جاءت طائرات صدّام إلى هنا، وقصفت طهران. قصفوا المطار وأماکن أخرى. أنا شخصیّاً کنت فی ذلک الیوم فی أحد المصانع القریبة من مطار طهران، وکنت ألقی کلمة. حدث ضجیج، فنهضنا وألقینا نظرة من النافذة، وشاهدت بنفسی الطائرات العراقیّة وهی تهبط وتلقی قنابلها على المطار، ثمّ غادرت. لقد شاهدنا هذه الأمور. الجمهوریّة الإسلامیّة واجهت هذه الأحداث المتنوّعة والمریرة، ولکنّها لم تفقد توازنها فی خضمّ هذه الأحداث لو للحظة واحدة.
یجب ألّا یبدر الارتباک عن المؤمن. أحیاناً یکون خطر الارتباک أکبر من خطر الحادثة نفسها. الارتباک یعنی أن ینظر الإنسان، ویتوصّل إلى هذا الشعور بأنّه عاجزٌ عن فعل أیّ شیء، فیستسلم! هذا هو الارتباک. إذاً، «الغرور» عند تحقیق التقدّم والنجاحات سمّ، و«الارتباک» عند مواجهة الفشل والمشکلات سمّ. یجب أن نحذر هذین الأمرین. یقول القرآن الکریم: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَیْتَ النَّاسَ یَدْخُلُونَ فِی دِینِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّکَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ کَانَ تَوَّاباً (3)} (النصر). اشکر الله، ولا تغتر! «وَاسْتَغْفِرْهُ»؛ استغفر على التقصیرات التی ارتکبتها!
ثمة بعض الأشخاص طبعاً یرکّزون جهودهم على بثّ الخوف فی قلوب الناس، وهذا یجب ألّا یحدث. الآن، یفعل بعض الأشخاص ذلک من الخارج، مثل القنوات التلفزیونیّة، والإذاعات، والصحف الأجنبیّة التی تتحدّث إلى النّاس باللغة الفارسیّة، إذ یقدّمون الأحداث بطریقة تهدف إلى تخویف الناس وزعزعة معنویّاتهم. التعامل مع ذلک یتطلّب أسلوباً مختلفاً، ولکن یجب ألّا یفعل أحدٌ هذا الأمر فی الداخل. إذا تحدّث أحدٌ فی الداخل عبر تحلیل أو کلامٍ بما یحمل معنى بثّ الخوف فی قلوب الناس، فهذا یُعدّ جریمة، ویجب متابعتها.
المتیقّن هو أنّ الشعب الإیرانی متأهّبٌ للعمل. طبعاً من الواضح أنّ الحضور فی أیّ نقطة یحتاج إلى مؤازرة حکومة ذاک البلد وموافقتها. نحن حین حضرنا فی العراق أیضاً، طلبت الحکومة العراقیّة منّا ذلک. فی سوریا عندما حضرنا، طلبت الحکومة السوریّة منا ذلک؛ استطعنا الذهاب بناء على طلبها وموافقتها. إذا لم یطلبوا، فمن الطبیعی أنّ الطریق مغلقة، ولن تتوافر الإمکانیّة لتقدیم المساعدة لهم. لکنّ الله المتعالی سیساعد، إن شاء الله، وستُجتثّ جذور الصهیونیّة والعناصر الغربیّة الخبیثة من هذه المنطقة، بفضل الله.
والسّلامُ علیکم ورحمةُ الله وبرکاته
[1] إثر تحرّک الجماعات المعارضة السوریة وسیطرتها على مختلف المدن والمناطق فی سوریا وتوجهها نحو دمشق، التی حدثت دون تدخّل أو مقاومة من الجیش السوری، سقطت الحکومة السوریة وخرج بشار الأسد (رئیس جمهوریة هذا البلد) من سوریا. عُقد هذا اللقاء بهدف تشریح الأوضاع فی المنطقة وجبهة المقاومة.
[2] «حرکة الجهاد الإسلامی فی فلسطین».
[3] شنَّ تنظیم «داعش» هجموماً إرهابیّاً على مرقد السید أحمد بن موسى (علیه السلام) فی 26/10/2022، وأطلق النار على الزوار والخدام، ما أسفر عن استشهاد ثلاثة عشر شخصاً وإصابة ثلاثین آخرین.
[4] فجَّر إرهابیون فی 3/1/2024، أثناء مراسم الذکرى الرابعة لاستشهاد الشهید القائد قاسم سلیمانی (قائد قوة القدس فی حرس الثورة الإسلامیة) قنبلتین وسط الحشود، ما أسفر عن استشهاد ما یقرب من مئة شخص وإصابة عدد آخر من الزوار قرب روضة شهداء کرمان.
[5] هاجم عدد من أعضاء تنظیم «داعش» فی 7/6/2017، مبنى «مجلس الشورى الإسلامی» الموجود فی میدان بهارستان بطهران، ما أسفر عن استشهاد وإصابة عدد من المواطنین والموظفین.
[6] نهج البلاغة، الخطبة 27.